ابني كثير الحركة.. هل هو طفل نشيط أم لديه اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ADHD؟

ابني كثير الحركة.. هل هو طفل نشيط أم لديه اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ADHD؟

إعداد: د. أحمد محمد عبد الوهاب

استشاري الصحة النفسية والتربية الخاصة والإرشاد الأسري


«ابني لا يجلس في مكانه، يتحرك طوال الوقت، ولا يكمل واجباته.. هل لديه فرط حركة؟»

هذا من أكثر الأسئلة التي يطرحها أولياء الأمور عند الحديث عن سلوك أطفالهم.

وفي المقابل، قد تقول المدرسة عن طفل آخر: «ذكي، لكنه مشتت جدًا، ينسى أدواته، ولا ينهي المطلوب منه».

فهل كل طفل كثير الحركة لديه اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ADHD؟

الإجابة المهنية المختصرة هي: لا.

فالحركة والنشاط والاندفاع بدرجات مختلفة جزء من طبيعة الطفولة، ولا يمكن تشخيص اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه اعتمادًا على كثرة الحركة وحدها.

المهم ليس السؤال: كم يتحرك الطفل؟

بل السؤال الأكثر دقة:

هل توجد مجموعة مستمرة من أعراض تشتت الانتباه و/أو فرط النشاط والاندفاع تؤثر بوضوح في أداء الطفل مقارنة بما هو متوقع لعمره ومستوى نموه؟

وهنا يبدأ التقييم الحقيقي.

ما اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه؟

اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، المعروف اختصارًا بـ ADHD، اضطراب نمائي عصبي يرتبط بنمط مستمر من صعوبات الانتباه و/أو فرط النشاط والاندفاع بما يؤثر في الأداء أو النمو.

وقد تظهر الصورة بصورة مختلفة من طفل إلى آخر.

فليس شرطًا أن يكون كل طفل لديه ADHD شديد الحركة.

بعض الأطفال تكون الصعوبة الأكبر لديهم في الانتباه والتنظيم وإكمال المهام، بينما يظهر لدى آخرين النشاط الزائد والاندفاع بصورة أكثر وضوحًا، وقد تجتمع المجموعتان لدى طفل واحد.

طفلي كثير الحركة.. متى يكون ذلك طبيعيًا؟

من الطبيعي أن يتحرك الطفل ويلعب ويستكشف البيئة المحيطة.

وقد تزداد حركته عندما يشعر بالملل أو الحماس أو عندما يكون في مكان لا يناسب احتياجاته الحركية.

لذلك لا أحب أن نبدأ بوصف الطفل بأنه «مفرط الحركة» لمجرد أنه نشيط.

هناك سؤال مهم جدًا:

هل يستطيع الطفل تنظيم سلوكه عندما يتطلب الموقف ذلك؟

على سبيل المثال، قد يكون الطفل نشيطًا جدًا أثناء اللعب، لكنه يستطيع الجلوس والاستماع والمشاركة عندما يكون النشاط جذابًا ومناسبًا لعمره.

أما عندما تكون الصعوبة مستمرة بدرجة تؤثر في التعلم والعلاقات والحياة اليومية، فإن الأمر يستحق تقييمًا أكثر دقة.

العلامة الأولى: تشتت الانتباه

من الأخطاء الشائعة اختزال ADHD في الحركة الزائدة.

في الواقع، قد تكون صعوبات الانتباه هي المشكلة الأكثر تأثيرًا لدى بعض الأطفال.

قد يلاحظ الوالدان أو المعلم أن الطفل:

يفقد تركيزه بسهولة، ويجد صعوبة في متابعة التعليمات، ولا يكمل المهام، وينسى واجباته أو متعلقاته، ويواجه صعوبة في تنظيم أنشطته، ويتشتت بالمثيرات المحيطة.

لكن مرة أخرى:

وجود واحدة أو اثنتين من هذه الملاحظات لا يعني وجود ADHD.

فنحن ننظر إلى النمط الكامل للسلوك وتكراره ومدته ومدى تأثيره.

العلامة الثانية: فرط النشاط

قد يظهر فرط النشاط في صورة حركة مستمرة، أو صعوبة في البقاء جالسًا عندما يتطلب الموقف ذلك، أو الجري والتسلق بصورة غير مناسبة للموقف أو العمر، أو كثرة الكلام والنشاط.

لكن تقييم هذه السلوكيات يجب أن يكون مرتبطًا بعمر الطفل.

فما نعتبره طبيعيًا لطفل صغير قد يكون مختلفًا عما نتوقعه من طفل أكبر سنًا.

لذلك فإن المقارنة المهنية لا تكون بين الطفل وأخيه أو ابن الجيران.

بل نسأل:

هل مستوى النشاط متوافق مع العمر والمرحلة النمائية؟

العلامة الثالثة: الاندفاع

قد يكون الاندفاع أقل وضوحًا للوالدين من الحركة الزائدة، لكنه مهم جدًا في التقييم.

فالطفل قد يتصرف قبل التفكير، ويقاطع الآخرين بصورة متكررة، ويجد صعوبة في انتظار دوره، أو يتخذ قرارات سريعة دون تقدير كافٍ للعواقب.

وقد يؤدي ذلك إلى مشكلات داخل الفصل أو المنزل أو أثناء اللعب مع الأطفال الآخرين.

وهنا يجب أن نفهم أن الطفل قد لا يكون «متعمدًا للمشاغبة»، وإنما قد تكون لديه صعوبة حقيقية في ضبط الاستجابة وتنظيم السلوك.

الفرق بين الطفل النشيط والطفل الذي يحتاج إلى تقييم ADHD

أستخدم مع الأسر قاعدة عملية مهمة:

لا تنظر إلى السلوك وحده، بل انظر إلى أثر السلوك.

قد يكون طفلان كثيرَي الحركة، لكن أحدهما يدرس جيدًا، ويتفاعل اجتماعيًا، ويستطيع ضبط نفسه عندما يحتاج الموقف إلى ذلك.

أما الآخر فقد تؤدي الأعراض لديه إلى صعوبة مستمرة في التعلم، وكثرة فقدان الأدوات، وعدم إتمام الواجبات، ومشكلات مع الأقران، وتوتر داخل الأسرة.

هنا يصبح الأثر الوظيفي عنصرًا أساسيًا في التقييم.

هل يجب أن تظهر المشكلة في المنزل والمدرسة؟

هذه نقطة شديدة الأهمية.

التقييم المتخصص لا يعتمد عادةً على ملاحظة شخص واحد أو موقف واحد.

نحتاج إلى معرفة كيف يتصرف الطفل في أكثر من بيئة، مثل المنزل والمدرسة والأنشطة الاجتماعية.

فإذا كان الطفل يواجه صعوبة في المدرسة فقط، فمن الضروري أن نسأل:

هل توجد صعوبة أكاديمية؟

هل التعليمات مناسبة له؟

هل توجد مشكلة في العلاقة مع المعلم أو الزملاء؟

هل يعاني قلقًا؟

هل توجد صعوبة تعلم؟

هل البيئة الصفية مليئة بالمشتتات؟

أي أن الهدف ليس إثبات أن الطفل لديه ADHD، وإنما فهم السبب الحقيقي وراء السلوك.

ليس كل تشتت ADHD

هذه قاعدة يجب أن يعرفها كل أب وأم.

هناك أسباب متعددة قد تجعل الطفل يبدو مشتتًا أو كثير الحركة.

فقد تتداخل الصورة مع مشكلات النوم، والقلق، وبعض صعوبات التعلم، والضغوط الأسرية، ومشكلات السمع أو الرؤية، وغيرها من العوامل والحالات النمائية أو النفسية.

ولهذا فإن التقييم المهني الجيد لا يسأل فقط:

«هل توجد أعراض ADHD؟»

بل يسأل أيضًا:

«هل يوجد تفسير آخر لهذه الأعراض؟ وهل توجد صعوبات أخرى مصاحبة لها؟»

وهذا أحد أهم الفروق بين التقييم المتخصص والتشخيص المبني على مقطع فيديو أو اختبار إلكتروني سريع.

«لكنه يستطيع الجلوس بالساعات أمام الألعاب الإلكترونية»

يقول بعض الآباء:

«إذا كان ابني لديه تشتت انتباه، فكيف يستطيع التركيز طويلًا في لعبة يحبها؟»

هذا السؤال مفهوم، لكنه لا يكفي لنفي المشكلة أو إثباتها.

فالانتباه ليس قدرة ثابتة تعمل بالمستوى نفسه في جميع الظروف.

درجة التحفيز، وطبيعة المهمة، والمكافأة الفورية، ومستوى الصعوبة، ووجود المشتتات؛ كلها عوامل قد تؤثر في قدرة الطفل على الاستمرار في النشاط.

لذلك لا نشخص ADHD بناءً على قدرة الطفل على مشاهدة فيلم أو استخدام جهاز إلكتروني.

هل اختبار ADHD على الإنترنت يكفي؟

لا.

الاختبارات والاستبيانات قد تكون أدوات مساعدة ضمن عملية التقييم، لكنها ليست بديلًا عن التقييم المهني الشامل.

والتقييم قد يشمل – وفق حالة الطفل – مقابلة الأسرة، والتاريخ النمائي والصحي والتعليمي، ومعلومات من المدرسة، وملاحظة السلوك، واستخدام مقاييس مقننة مناسبة، وتقييم المشكلات الأكاديمية أو النمائية المصاحبة عند الحاجة.

وهنا أكرر قاعدة مهمة:

المقياس يساعد المختص، لكنه لا يحل محل المختص.

ماذا أفعل إذا شككت أن طفلي لديه ADHD؟

الخطأ الأول هو تجاهل المشكلة تمامًا.

والخطأ الثاني هو القفز مباشرة إلى التشخيص.

الخطوة الأكثر مهنية هي التقييم المنظم.

ابدأ بتسجيل المواقف التي تظهر فيها المشكلة:

متى يحدث التشتت؟

كم يستمر؟

ماذا يحدث قبله؟

هل يظهر في المنزل والمدرسة؟

كيف يؤثر في التعلم؟

كيف يتعامل الطفل مع التعليمات؟

هل توجد مشكلات في النوم؟

ماذا يقول المعلم؟

هذه المعلومات أكثر قيمة للمختص من عبارة عامة مثل: «ابني لا يركز».

ماذا بعد التشخيص؟

إذا أكد التقييم المتخصص وجود اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، فالتدخل لا ينبغي أن يتحول إلى محاولة مستمرة لإجبار الطفل على «الهدوء».

الهدف الحقيقي هو مساعدته على النجاح وظيفيًا وأكاديميًا واجتماعيًا.

وتختلف خطة التدخل وفق عمر الطفل وشدة الأعراض واحتياجاته والمشكلات المصاحبة.

وقد تشمل الخطة تدخلات سلوكية وتدريب الوالدين واستراتيجيات مدرسية وتنظيم البيئة والمهام، وقد يحتاج بعض الأطفال إلى تقييم طبي لمناقشة خيارات علاجية أخرى.

الخطة المناسبة لطفل ليست بالضرورة الخطة المناسبة لطفل آخر.

ماذا تستطيع الأسرة أن تفعل في المنزل؟

حتى قبل اكتمال التقييم، توجد مبادئ تربوية مفيدة لكثير من الأطفال.

اجعل التعليمات قصيرة ومحددة.

بدلًا من:

«اذهب إلى غرفتك ورتب كل شيء وغير ملابسك وأحضر حقيبتك وتعال بسرعة».

قسّم المطلوب إلى خطوات واضحة.

قل مثلًا:

«ضع الحقيبة في مكانها».

ثم انتقل إلى المهمة التالية.

كذلك من المفيد وجود روتين يومي واضح، وتقليل المشتتات أثناء أداء الواجب، وتقسيم المهام الطويلة إلى أجزاء أصغر، واستخدام التعزيز الإيجابي للسلوك المطلوب.

والأهم:

لا تجعل كل تواصلك مع الطفل أوامر وانتقادات.

فالطفل الذي يسمع طوال اليوم «اجلس – انتبه – لا تتحرك – أنت مهمل – كم مرة قلت لك؟» قد تبدأ صورته عن نفسه في التأثر.

نحن نريد تعديل السلوك، وليس هدم ثقة الطفل بنفسه.

المدرسة شريك أساسي وليست مجرد مصدر للشكوى

في كثير من الحالات، يمتلك المعلم معلومات مهمة جدًا عن أداء الطفل.

لكن التواصل الصحيح بين الأسرة والمدرسة يجب ألا يقتصر على:

«ابنك أزعج الفصل اليوم».

نحتاج إلى وصف أكثر دقة:

في أي مادة يظهر التشتت؟

هل يستطيع إكمال المهمة؟

ما مدة بقائه في النشاط؟

ما المواقف التي يزداد فيها السلوك؟

ما الاستراتيجية التي ساعدته؟

كلما أصبحت الملاحظات قابلة للقياس والملاحظة أصبح اتخاذ القرار التربوي أكثر دقة.

كلمة لكل أب وأم

إذا كان طفلك كثير الحركة، فلا تتعجل في وصفه بأنه «مريض».

وفي الوقت نفسه، إذا كانت هناك صعوبات واضحة ومستمرة تؤثر في تعلمه وعلاقاته وحياته اليومية، فلا تؤجل التقييم سنوات على أمل أن تختفي المشكلة وحدها.

ومن واقع العمل في الصحة النفسية والتربية الخاصة، أؤكد دائمًا:

لا نبحث عن اسم نضعه على الطفل، بل نبحث عن تفسير يساعدنا على تقديم الدعم المناسب له.

فالتشخيص – عندما يكون موجودًا – ليس نهاية الطريق، وإنما وسيلة لفهم الاحتياجات ووضع خطة تدخل مناسبة.

وإذا كانت الأسرة غير متأكدة مما إذا كان ما تراه نشاطًا طبيعيًا أم مؤشرات تستحق التقييم، فإن الاستشارة الأولية المتخصصة يمكن أن تساعد في جمع المعلومات وتحديد ما إذا كان الطفل يحتاج إلى تقييم أكثر شمولًا والخطوة التالية المناسبة.


إعداد:

د. أحمد محمد عبد الوهاب

استشاري الصحة النفسية والتربية الخاصة والإرشاد الأسري

تنويه مهني: هذا المقال للتوعية والتثقيف، ولا يستخدم لتشخيص اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أو أي اضطراب آخر. التشخيص والتدخل يتطلبان تقييمًا من مختصين مؤهلين وفق حالة الطفل والأنظمة المهنية المعمول بها.