ارشاد أسري

حين يتحول الصمت إلى عقاب: الأثر النفسي للصمت العقابي بين الزوجين

حين يتحول الصمت إلى عقاب: الأثر النفسي للصمت العقابي بين الزوجين

د. إيمان غانم | الإرشاد النفسي والأسري والتربوي


حين يصبح الصمت رسالة

ليس كل صمت بين الزوجين مشكلة. بعد نقاش حاد، قد يحتاج أحد الطرفين إلى وقت يهدأ فيه قبل أن يستكمل الحديث. لكن الصورة تختلف حين يتحول الانقطاع عن الكلام إلى عقوبة متكررة، أو إلى وسيلة لدفع الشريك إلى الاعتذار والتنازل دون نقاش. هنا لا يكون السؤال: «كم ساعة استمر الصمت؟» فقط، بل: كيف بدأ؟ وهل أُعلن سبب الانسحاب؟ وهل توجد فرصة آمنة للعودة إلى الحوار؟ وما أثر ذلك في الطرف الآخر؟

ما الفرق بين الاستراحة والصمت العقابي؟

الاستراحة المنظمة تعني أن يوضح الشخص حاجته إلى التوقف مؤقتًا، وأن يحدد وقتًا مناسبًا للعودة إلى الحوار قدر الإمكان. مثلًا: «أنا متوتر الآن، وأحتاج إلى نصف ساعة حتى أستطيع أن أسمعك بهدوء». أما الصمت العقابي فيظهر عندما يصبح تجاهل الشريك أو قطع التواصل وسيلة للضغط عليه أو معاقبته، لا مجرد محاولة لتنظيم الانفعال.


ومع ذلك، لا نستطيع استنتاج النوايا من مشهد واحد. فقد ينسحب شخص لأنه يشعر بالعجز عن التعبير أو يخشى تصاعد النزاع، لا لأنه يريد السيطرة. التقييم الدقيق ينظر إلى تكرار النمط، والسياق، ودرجة الخوف، ووجود التهديد أو الإذلال، ومدى استعداد الطرفين للإصلاح.


لماذا يكون التجاهل مؤلمًا؟

الإنسان يحتاج إلى الشعور بالانتماء والتقدير والقدرة على التأثير في علاقاته المهمة. وتوضح مراجعة ويليامز العلمية حول الإقصاء الاجتماعي أن التجاهل قد يهدد احتياجات نفسية أساسية، منها الانتماء وتقدير الذات والشعور بالسيطرة والمعنى (Williams, 2007). هذه النتائج تتعلق بالإقصاء الاجتماعي عمومًا، ولا تعني أن كل صمت زوجي يترك الأثر نفسه.


في العلاقة الزوجية، قد يدفع الغموض المتكرر أحد الشريكين إلى مراقبة الكلمات والتصرفات بحثًا عن إشارة إلى انتهاء القطيعة، أو إلى الاعتذار فقط ليستعيد التواصل. وقد يشعر آخر بالغضب أو الانسحاب المقابل. لذلك يهمنا فهم الأثر الفعلي في العلاقة، لا الاكتفاء بتسمية السلوك.


دائرة المطالبة والانسحاب

تصف أدبيات التفاعل الزوجي نمطًا قد يطالب فيه أحد الطرفين بالنقاش أو التغيير بينما ينسحب الآخر من الحوار. وكلما ازداد الإلحاح، قد يزداد الانسحاب، فيتصاعد التوتر لدى الطرفين. تناولت دراسة كريستنسن وهيفي هذا النمط في سياق الخلافات الزوجية (Christensen & Heavey, 1990).


لكن من المهم التفريق بين «الانسحاب أثناء النزاع» بوصفه نمطًا تواصليًا قد تكون له أسباب متعددة، وبين «الصمت العقابي» حين يُستخدم الانقطاع عمدًا للضغط أو الإذلال. المصطلحان ليسا مترادفين، ولا يصح اعتبار كل انسحاب دليلًا على إساءة نفسية.


كيف يمكن كسر الحلقة؟

تبدأ الخطوة الأولى خارج لحظة الانفعال، باتفاق واضح على حق كل طرف في استراحة مؤقتة، مع التزام العودة إلى الحديث. يمكن أن يقول أحدهما: «أحتاج إلى وقت لأهدأ، لكن الموضوع مهم وسنعود إليه مساءً». والعودة هنا جزء أساسي من الاتفاق؛ لأن الاستراحة المفتوحة بلا نهاية قد تزيد القلق.


عند استئناف الحديث، يساعد وصف التجربة بدل اتهام الشخصية: «عندما يتوقف التواصل دون توضيح أشعر بالحيرة» أفضل من «أنت لا تهتم أبدًا». ويُفضّل تناول موضوع واحد، وطرح سؤال محدد، والإصغاء قبل الرد. ومن المفيد الاتفاق على طريقة لطلب الاستراحة لا تُفهم باعتبارها رفضًا أو هجرًا.


إذا تكرر النمط، يمكن لكل طرف أن يسأل نفسه: ما الذي يحدث قبل الانسحاب مباشرة؟ ماذا أحاول أن أتجنب أو أحصل عليه؟ وكيف يستقبل الطرف الآخر هذا السلوك؟ لا تهدف هذه الأسئلة إلى تبرير الأذى، بل إلى تحديد ما يمكن تغييره.


متى لا تكفي نصائح التواصل؟

عندما يقترن الصمت بتهديدات أو إذلال أو مراقبة أو عزل أو تحكم مالي واجتماعي، فقد يكون جزءًا من نمط أوسع من السيطرة والإساءة. في هذه الحالات، تتقدم السلامة وتقييم المخاطر على نصائح المصالحة العامة. ولا ينبغي الضغط على الطرف المتضرر للدخول في مواجهة أو جلسة زوجية مشتركة إذا كانت المواجهة قد تزيد الخطر.


أما عندما يكون الخلاف متبادلًا ولا توجد مؤشرات خوف أو إكراه، فقد يساعد الإرشاد الزواجي على فهم نمط التفاعل، وتعلم التنظيم الانفعالي، وبناء اتفاقات تواصل أكثر وضوحًا. ويظل التقييم الفردي ضروريًا؛ فالمقال التثقيفي لا يشخص علاقة ولا يصدر حكمًا على أحد الزوجين.


خاتمة

العلاقة الآمنة لا تشترط أن يتحدث الزوجان في كل لحظة، لكنها تحتاج إلى أن يبقى باب العودة إلى الحوار مفتوحًا. من حق الإنسان أن يطلب وقتًا للهدوء، وليس من حقه تحويل التواصل إلى مكافأة تُمنح عند الطاعة. الفرق بينهما قد يبدو بسيطًا في الكلمات، لكنه عميق في أثره على الثقة والأمان العاطفي.


المراجع العلمية

Williams, K. D. (2007). Ostracism. Annual Review of Psychology, 58, 425–452. https://doi.org/10.1146/annurev.psych.58.110405.085641

Christensen, A., & Heavey, C. L. (1990). Gender and social structure in the demand/withdraw pattern of marital conflict. Journal of Personality and Social Psychology, 59(1), 73–81. https://doi.org/10.1037/0022-3514.59.1.73

نبذة عن الكاتبة

د. إيمان غانم، حاصلة على درجة الدكتوراه في الإرشاد النفسي والتربوي من الجامعة الأردنية، ومرشدة نفسية وأسرية وتربوية ومدربة مهارات حياتية. تهتم بتبسيط المعرفة النفسية وتعزيز العلاقات الأسرية الآمنة.


ahmed
ahmed
د.أحمد محمد عبد الوهاب-استشاري صحة نفسية وتربية خاصة
عرض الملف